من مذكرات طالب جامعي (2)

    شاطر

    جون كينغ
    عضو
    عضو

    ذكر عدد الرسائل : 11
    المكان : ودالمنسي
    العمل : معلم
    تاريخ التسجيل : 07/02/2012

    من مذكرات طالب جامعي (2)

    مُساهمة من طرف جون كينغ في السبت 17 مايو 2014 - 14:37

    بقلم: عبد الرحمن حسب الرسول عبد الرحمن عمر


    أحببتها بصدق وذاب قلبي حبا لها لدرجة الهيام حيث كنت الشخص الوحيد الذي يخشى الليل ليست خوفا من الظلام, و لم أكن مصابا برهاب الظلام (noctiphobia) بل لأن كل الناس ينامون ويتركونني وحيدا أصارع أفكاري وظنوني و الأرق الذي إستبد بي لحد بعيد, وبلغت في ذلك شأوا كبيرا لا يمكن للنفس البشرية العادية أن تتحمله إلا من رحم ربي أو من منح ذرة من صبر وقوة تحمل نبي الله أيوب. لم أكن أنوم حتى إنبلاج ساعات الفجر الأولى و أحيانا كثيرة يتغلب الجسم على الأرق بعد أن يصدر المخ إشارات بأن الجسم تعب من السهر وبحاجة للنوم فيكون في هذه الحالة النوم قسريا رأفة بالجسم الذي أثخنته الجراح, فهذه من أحد الآليات والوسائل التي منحها الله سبحانه وتعالى للمخلوقات الحية في مواجهة هكذا ظروف. في هذه الأوقات كنت في أمس الحاجة لمن يشاركني آلامي و همومي لأنني لم أعد قادرا على تحمل ذلك لوحدي. So I couldn’t bear my pains and thought alone.
    الحمد لله أن هذا الأمر لم يؤثر سلبا على تحصيلي الأكاديمي بعد أن سمعت ورأيت أناسا كثيرين تدهورت بل تحطمت حياتهم الأكاديمية و الإجتماعية حتى, والبعض منهم خرج من التجربة يلعق جراحه راضيا بما تبقى من حطام هذه العلاقة مبررا ذلك بإكتساب تجارب و خبرات تمنع الوقوع في أخطاء مشابهة. والبعض الآخر خرج كطائر العنقاء الأسطوري رمز الخلود الذي يعتقد أنه عندما يحرق نفسه ينبعث من رماده وهو يكون أكثر شبابا وجمالا هذا على حسب الأسطورة القديمة.
    بكل حقيقة هي المرأة التي قال فيها الشاعر:
    أتاني هواها من قبل أن أعرف الهوى **** فصادف قلبا خاليا فتمكن
    هي الأنثى التي كنت أحلم بها طول حياتي ومنيت بها نفسي يوما ما. وعندما وجدتها إعتقدت أنني وجدت كنزي الذي ضاع في فم تنين محاطا بألسنة لهب يرمي التنين بها كل من يحاول الإقتراب من هذا الكنز, لكنني تحديت التنين و إقتربت من الكنز وحظيت به ولم أكن آبه للهب الذي كان التنين يلقي به علي لأن اللهب الذي بداخلي أشد إيلاما وحريقا من لهب التنين فأخترت أبرد اللهبين, ثم أنها كانت تستحق التضحيةShe was sacrificeworthy .
    شاءت الظروف أن نفترق لأنه كتب علينا ذلك, ولم نلتق منذ أكثر من عقد تماماً. إلتقينا ذات مرة في الجامعة عندما ذهبت لإستخراج الشهادات الجامعية في العام أربعة و ألفين. سبقت هذا اللقاء جلسات مطولة ربما تكون سببا في إفتراقنا وتباعدنا المادي لا الوجداني بعد إختلافنا في بعض المسائل و القضايا المحورية التي كان يمكن أن تشكل مسيرة حياتنا. بعد هذا اللقاء الأخير تيقنت تماماً أنه كتب علينا ألا نلتقي مجددا We were destined never to meet again. لكن هذا لم يجعلنا نفقد الأمل بلقاء آت ولد حتميا في رحم الغيب. تجاذبنا أطراف الحديث في لقائنا هذا الذي شبهته بالعشاء الأخير للسيد المسيح عليه السلام -مع الإختلاف في بعض الأمور -الذي إحتفل به مع تلاميذه ومن ثم أعتقل و صلب بعد وشاية من يهوذا الأسخريوطي. عبرت لها عن إحساسي بالوحشة بسبب غيابها عني لمدة ليست بالقصيرة , أما هي كانت كدأبها تعبر عن هكذا إحساس بطرق ضمنية فلا تميل للصراحة في المسائل الوجدانية و العاطفية, لا أدري لماذا تفعل ذلك ربما لشيئ في نفس يعقوب. أحس الشوق في نظراتها و إنفعالاتها ولكنني لا أسمعه من شفائفها وأرى كل قسمة من قسمات وجهها تحمل تعبيرا يعكس ما تمور به نفسها. لا يزال هنالك ما يذكرني بها كل ما دب السلوان إلى عقلي و قلبي, فلدي منها مطبوعة تحتوي على قصيدة (قرنتية) للشاعر هاشم صديق, علاوة على الذكريات الجميلة التي نقشت بأحرف من ماس على جدار قلبي وجدار العلاقات الإنسانية الراقية. في مارس الماضي لمحتها عبر نافذة العربة في أحد شوارع مدينة أم درمان عندما توقفت العربة و بصحبتها فتيات لا أعرفهن, إندهشت جدا وقلت في أعماقي : يا إلهي إنها هي! ثم تساءلت في نفسي : ياترى هل هذا هو اللقاء الذي قلت بأنه ولد في رحم الغيب, أم أن هنالك لقاء آخر؟ فهو لقاء قصير جدا ولقاء من طرف واحد إذا صح التعبير, لقاء فاقد لكل وسائل التواصل حتى الإيماءات. نشأ في نفسي تياران متصارعان أحدهما كان يقول لي: هيا أسرع ناديها وتحدث إليها هذه فرصة ذهبية لن تتمكن من الفوز بها مرة أخرة, و تيار آخر كان يقول لي: تعقل يا رجل وكن رزينا لا تنادي على إمرأة قد لا تتذكرك من أول مرة أو ربما تستحي من الفتيات اللائي كنا بصحبتها خاصة بعد فراق دام لعشر سنوات, فكانت الغلبة للتيار الثاني. قبل ذلك بكثير إتصلت بي إبنة عمتها التي كانت سببا في تعارفنا, و سألتها عنها فقالت لي: (هي في إنتظارك) فعلمت أنها لم تتزوج بعد. فقلت لها: بعد إيه؟ لقد سبق السيف العذل. العشرة أعوام الأخيرة غيرت فينا الكثير حيث أنه لا يمكن أن تكون نظرتي للحياة اليوم مشابهة للتي كانت قبل عشرة أعوام وحتى الظروف المحيطة إختلفت اليوم عما كانت عليه في السابق.
    قالت مدام سيمون دو بوفوار زوجة الفيلسوف الوجودي الفرنسي جون بول سارتر: (أغنى لحظات عمري أثنتان: لقائي بسارتر و تحرير بلادي). أما أنا أغنى لحظات عمري قدر لها ألا تأتي حتى هذه اللحظة منذ (العشاء الأخير) الذي تضعضعت فيه ثقتي مع بقاء أمل ضعيف بلقاء الشخص الذي يمكن أن يكون بمثابة سارتر بالنسبة لمدام سيمون دو بوفوار و العكس بالنسبة لي أنا. لقد كانت نقطة تحول في حياتي. لأ أدري هل هو تحول إيجابي أم سلبي أم الأثنان معا. الزمن وحده كفيل بتحديد طبيعة نقطة التحول هذه و الحكم عليها.. في كل مرة أسترجع فيها ما حدث لي طول فترة بقاءنا معا و ما إنتهت له تلك العلاقة أطمئن نفسي بأبيات الشعر هذه التي كانت هي عزاي الوحيد في الوقت الحاضر مع أنني وجدت من يستطيع ملء جزء من حياتي ظل فارغا لمدة طويلة.
    (إن أجمل الأنهار لم نرها بعد... أجمل الكتب لم نقرأها بعد...أجمل أيام حياتنا لم تأتي بعد)
    (ناظم حكمت)
    Heard melodies are sweet,
    But those unheard are sweeter
    John Keats (1795-1821)
    (الألحان المسموعة حلوة, لكن التي لم تسمع هي الأحلى).
    (جون كيتس 1795-1821)
    If winter comes, can spring be far behind?
    P.B, Shelly (1792-1822)
    إذا الشتاء أتى فهل سيكون الربيع بعيد؟
    (بي بي شيلي 1792-1833)
    حتما لن يكون الربيع بعيد. آمل أن تكون كل حياتنا ربيعا بدل هذا الصيف الحارق. لكن مع كل ذلك يظل الأمل و التفاؤل موجودين ما دام هنالك قلب ينبض و عقل يفكر. إننى أرى صورتهاعندما أعد أقراءة رائعة الكاتب النيجيري تشينوا أجبي (الأشياء تتداعى), وأسمع صوتها في قصائد نزار قباني و أغاني فيروز وماجدة الرومي. أحس بوجودها في كل شيء حبته الطبيعة بجمال أخاذ يسبئ الأفئدة و يسحر النفوس. سنوات مضت بحلوها و مرها وبنعيمها و جحيمها, فلم يبق منها شيء سوى القول بأنني أجمل لحظات حياتي تلك التي كانت بصحبتها.

    ود المنسي 11/أيار/2014م

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 24 نوفمبر 2017 - 1:22