شكوكـو السندباد البلدي

    شاطر

    فهمي محمد
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    ذكر عدد الرسائل : 39
    العمر : 29
    المكان : الخرطوم
    العمل : الترحال في عالم الجمال
    تاريخ التسجيل : 17/11/2009

    شكوكـو السندباد البلدي

    مُساهمة من طرف فهمي محمد في الأربعاء 27 يناير 2010 - 22:00



    زهـقـــت مــــــن لـعـــل وطهقــت من عسي
    ودموعي تملي حــلــة من الصبح للمـسا
    معــلـشــي يا عــنيـــة لعـــــــل وعـســــــي
    يا قلبي اصبر شـوية لعـــــــل وعــســـــي

    محمود شكوكو إبراهيم إسماعيل موسي من نصف قرن زهق وطهق وفاضت دموعه أنهارا ليعلن علي الملأ بمصاحبة فرقة للعزف بالرق والعود والكمنجة أن صبره قد نفد رغم جميع المسكنات اللفظية‏,‏ هذا بينما وزير المالية الهمام الدكتور يوسف بطرس غالي قد طمأننا هذا الشهر إلي أن الأمور ستنفرج وينصلح الحال وتصبح الدنيا ربيع والجو بديع بعد‏25‏ سنة‏,‏ لهذا وجب التقفيل علي كل المواضيع المحبطة انطلاقا من اطمئنانه الأريب إلي أنه بعد ربع قرن لن يكون أحد منا موجودا ليحاسبه أو يعاتبه أو يأخذ منه حقه‏,‏ ليغدو الرد البليغ علي معاليه يا خرابي تلك اللفظة التي كان محمود شكوكو يعبر بها عن بالغ أسفه واستيائه‏,‏ وكنا وقتها نظن أنه قد تجاوز حدود اللياقة واللباقة خارجا بها علي الآداب العامة‏,‏ لكننا نكتشف بالمقارنة بما ينبغي أن يقال الآن إنها تعد درسا في الفضيلة وردا دبلوماسيا جدا بل مفرطا في الرقة والمجاملة‏.‏
    الظاهرة الفنية المتفجرة محمود شكوكو كانت موهبته الحقيقية أعظم من ثقافته‏,‏ فهو لم يدرس مناهج معاهد الفنون‏,‏ ولا دربت حنجرته مدام رطل‏,‏ ولا سافر في بعثة للاحتكاك بحضارة الغرب ليعود حاملا لقب الزمالة والدكترة‏.‏ شكوكو في الكتابة عنه تقفز إلي الذاكرة بفورية عبارة قالها يوما الأديب الفرنسي الكبير أندريه موروا في باريس في قوله‏:‏ ليس من الضروري أن يمنحنا الفن دائما شيئا‏,‏ بل يكفيه أحيانا أن يسلبنا شيئا‏,‏ وكان يعني بالشيء الذي يمكن أن يسلبنا الفن إياه هموم الحياة ومشاغلنا المضنية‏..‏ رائد فن المونولوج ومبتكر مسرح العرائس عرفته مصر كلها وبلاد العرب كفنان شعبي أصيل خرج من أعماق الحارة المصرية ليحقق نجاحا جماهيريا لم يسبق له مثيل‏,‏ وآية ذلك أنه كان الفنان الوحيد الذي صنع له الناس تماثيل كانت تباع في كل مكان بقزازة أيام كان الزجاج عزيزا بعد الحرب العالمية الثانية‏,‏ ولم تكن هناك بعد مصانع ياسين للزجاج التي كانت بمثابة الطفرة في الصناعة المصرية‏..‏ وقد لفتت الظاهرة نظر الأستاذ الكبير العقاد فهاجم صانعي تلك التماثيل معتبرا صنيعهم دليلا علي التأخر‏,‏
    وقرأ أحد أصدقاء شكوكو ما سطره العقاد فأسرع يخبره به ليتساءل شكوكو لائما‏:‏ إزاي يقول كده‏..‏ إخص عليه‏..‏ ده لحم كتافه من خيري؟‏!..‏ فسأله الصديق مندهشا‏:‏ هل تعرف العقاد؟‏!‏ فسارع شكوكو يجيب‏:‏ طبعا ده عازف قانون في فرقتي‏!..‏ فابتسم الصديق قائلا‏:‏ لا يا حبيبي‏.‏ ده كاتب كبير اسمه العقاد برضه‏!..‏ فضحك شكوكو ــ الذي علم نفسه بعدها القراءة والكتابة وأتقن بعض اللغات الأجنبية ــ وأضاف‏:‏ إني أسأل العقاد سؤالا واحدا مباشرا‏:‏ هل تستطيع قريحته الفذة أن تخلق بيتا كهذا‏,‏ ثم أنشد شكوكو‏:‏

    بصيت في قلب الحبيبمـن تحت عقـب الباب
    لقيت حــــدا شـــر نـفـــر شـــرطا كـــلهم عــزاب

    وصدق شكوكو فلم تستطع قريحة العقاد أن تخرج بمثل هذا البيت بأي حال من الأحوال‏!‏
    الكونت دي مونت شكوكو المتفرد الذي اعترف الملك فاروق ذات نفسه بتفرده بل قام بتشجيعه عليه وذلك عندما عاد شكوكو من جولة فنية له في انجلترا بسيارة جديدة اسبور ماركتها رالي ولونها أحمر فاروقي بمقعدين وفيتيس صغير وكابورليه أي بدون سقف‏..‏ وما أن ظهرت بجمرك بالإسكندرية حتي تم الحجر عليها ومنعها من دخول الأراضي المصرية بسبب لونها الأحمر الملكي الذي كان حكرا علي الملك فاروق وحده‏,‏ فقام شكوكو بالاتصال برئيس الوزراء النحاس باشا‏,‏ الذي أبلغ بدوره الملك رافعا له استغاثة شكوكو لإنقاذ الرالي‏,‏ فأجاز ملك البلاد السيارة الحمراء بفرمان‏:‏ محمود شكوكو بس اللي يركب عربية حمراء‏,‏ وهكذا كان فاروق الملك وشكوكو المونولوجست وحدهما يقودان السيارة الحمراء بطول البلاد وعرضها‏..‏ و‏..‏ تقوم الثورة ويؤدي شكوكو نمرته في ميدان عابدين احتفالا بإعلان الجمهورية ضمن الفنانين المشاركين أمام رجال قيادة الثورة‏,‏ ولأن لفظة الجمهورية كانت حديثة التناول علي الألسن لم يستوعب بعد مدلولها فقد قام شكوكو بإدخالها في سياق كلمات مونولوجه الجديد من وحي الاحتفال ليقول فيه‏:‏ يا جمهورية يا يا رز علي ملوخية يا‏.....‏
    ولحق شكوكو يومها روحه أو بمعني أصح لحقوه‏....‏ ويرحل عبدالناصر ويحكم السادات ويكون شكوكو قد كتب لنفسه تاريخا فنيا طويلا قام فيه بالمشاركة في أكثر من‏160‏ فيلما قام ببطولة خمس منها‏,‏ وأربع مسرحيات‏,‏ وقدم‏400‏ مونولوج من بينها من فوق لتحت وحمودة فايت‏,‏ وأسس أكثر من عشرة مسارح‏,‏ وحصل في جولاته في دول الغرب علي لقب شارلي شابلن الشرق‏,‏ وكان المؤسس الحقيقي لمسرح العرائس و‏..‏ ومن أجل تاريخه الفني الحافل وتفرده علي عرش الفكاهة عبر نصف قرن قام الرئيس السادات بمنحه جائزة الدولة التقديرية في عيد الفن‏,‏ وكانت فرحة الفنان الشعبي عارمة بالتكريم ليمكث أياما قبل الحفل يستحضر ويحفظ كلمات المشاعر الفياضة التي سيقولها في حضرة الرئيس أثناء تسلمه للجائزة‏..‏ لكنه‏..‏ لحظة أن مد يده بالسلام لليد الرئاسية الممدوة تبخرت الكلمات المحفوظة لتلهمه سرعة البديهة ارتجالا يقول‏:‏ ساعة ما بشوفك بيروح مني الكلام وأنساه‏..‏ وتعالت الضحكات واحتضنه السادات مهنئا‏...‏
    محمود هتشكوكو كما كان يطلق علي نفسه الذي حصل علي شهادات التقدير من عبدالناصر وبورقيبة وكتب عنه يحيي حقي معجبا بمفرداته الشعبية وجلس يجري حوارا شيقا معه الدكتور الناقد محمد مندور وقرظه أنيس منصور ومنحه النادي الأهلي عضويته الشرفية ولقبه السيرك صديق السيرك الأول وكان أول مونولوجست يقف أمام ميكروفون الإذاعة عام نشأتها‏1934.‏ لم يقلد شكوكو أحدا سوي أم كلثوم‏,‏ وكان يستأذنها ليقرأ عليها ما أدخله علي أغنياتها من عنده مثل حب إيه اللي انت جاي تقول عليه هو فيه في الدنيا أحلي من الجنيه فتضحك موافقة بقولها‏:‏ طيب يا شكشك‏..‏ ويروي لي ابنه سلطان ــ خريج مدارس الليسيه الحاصل علي ليسانس الأداب ويعمل في وزارة الطيران المدني ــ عن خميس أول الشهر الذي لجأت فيه أم كلثوم تطلب من والده استئجار مسرح الأزبكية التابع له بسبب إجراءات التصليح القائمة وقتها في سينما ريفولي وقصر النيل‏,‏ حيث اعتادت تقديم حفلاتها الشهرية‏,‏
    ورد عليها شكوكو‏:‏ مش عيب ده المسرح والعمال والفراشين وبتوع البوفيه كلهم تحت أمرك وما عليك يا ست الكل إلا التوجه مع فرقتك يوم الخميس لتجدي كل حاجة علي سنجة عشرة‏,‏ وكان من ضمن تجهيزاته القيام بإعادة طلاء غرفته بالمسرح لتكون جديرة باستقبال سيدة الغناء لتستريح فيها وتصلح ماكياجها بين الوصلات‏,‏ ووضع في الغرفة بوكيه ورد علي هيئة الطاقية رمزا لشكوكو‏,‏ وعندما دخلت ثومة الغرفة وسط موكب الصحفيين والمصورين ووقع بصرها علي بوكيه الورد سارعت تعلق ببديهيتها الحاضرة‏:‏ البوكيه ده مشكوكو فيه‏!..‏
    وحول ألحان محمد عبدالوهاب لمحمود شكوكو فقد غني له كأحد المتقدمين لطلب يد العروس ليلي مراد في أوبريت كلام جميل ضمن أحداث فيلم عنبر مع عزيز عثمان وإسماعيل ياسين وإلياس مؤدب من كلمات حسين السيد‏:‏

    من ناحية قلبي ونار قلبي باتحبب موت
    وحبيبي لو جه يوم عندي حرقع ميت صوت
    بلدي ومدردح وأدارجي وقنيت من الفول والطعمية أربع عمارات
    وبعد أن تم تصوير الأوبريت في استوديو الأهرام بالهرم قال له عبدالوهاب‏:‏ يا محمود صوتك فيه بحة عاجباني وعاوز ألحن لك حاجة تانية فسارع شكوكو يعرض عليه كلمات كان يحتفظ بها أعجبت عبدالوهاب ليطلب منه الحضور في اليوم التالي بفيلته الضخمة بشارع الهرم‏..‏ ويروي ابنه سلطان عن تلك المقابلة‏:‏ قعدت ألعب وأنا صغير مع بنات عبدالوهاب فتفت وإشإش وتم تم في الجنينة وطلع بابا قعد مع عبدالوهاب يلحن له مونولوجه‏(‏ يا دابحة قلبي بقزازة لماذا الظلم ده لماذا‏)..‏ وغني شكوكو لزكريا أحمد بنت البلد يا ولد يا محلي قيافتها‏,‏ وكتب له بيرم الكثير الذي منه صيد العصاري يا سمك صاحي بيلعب في الشبك‏..‏ أما عن فريد الأطرش فلم يقم بالتلحين لشكوكو وإن ظل حريصا علي الائتناس به‏..‏ طلب والدي وقال له تعالي لي بكرة‏,‏ ورحنا له في عمارته علي النيل‏.‏ قابلنا فريد وحيانا أجمل تحية واصطحبنا إلي قعدة خاصة في التراس فيها ما لذ وطاب سائلا الوالد عن مشروبه فقال له ولا لي دعوة بالسيجارة أو حتي السيجار‏,‏ واستأذن فريد ربع ساعة وعاد يحكي عن الكازينو الجديد الذي افتتحه في عمارته بالروشة في بيروت تحت الأرض‏..
    ‏ وعايزك يا شكوكو تقدم علي مسرحه نمرتك عشرة أيام وتنزل في ضيافتي مع سلطان في دور كامل بالعمارة ومن الآن اكتب ما بدالك عن أجرك وأنا موافق علي طول الخط‏,‏ قال له شكوكو‏:‏ ده شيء يشرفني لكن أنا عندي نقرس وفي الوقوف استحالة‏,‏ فاستأذن فريد عشر دقائق لا غير عاد بعدها يقول‏:‏ خلاص يا سيدي انت تقدم نمرتك علي القاعد ثلاثة أيام‏,‏ وبعدها تسافر بالطائرة للندن محجوز لك في مستشفي هناك عند أكبر دكتور عظام‏,‏ وترجع لبيروت تكمل الغناء وانت معافي بمشيئة الله‏..‏ وسافرنا ولقي شكوكو ترحيبا من الجمهور اللبناني ليس له نظير رغم تأديته لنمرته جالسا علي المقعد‏,‏ وبعدها للندن لقينا طبيب العظام المعالج ورئيس القسم شابا هنديا جالسا علي مقعد إعاقة متحرك‏,‏ فتوكلنا علي الله وقرأنا آية الكرسي والمعوذتين‏,‏ واستسلم الوالد للدكتور الذي أعطاه حقنة في سلسلة ظهره وقال له قوم أقف‏,‏ قام شكوكو بعدها يمشي‏,‏ ورجعنا بيروت وأكمل الأداء واقفا‏,‏ وكانت أياما مذاقها النجاح والوفاء‏.‏
    ولا أترك سلطان قبل استجوابه ــ بغلاسة ــ عن علاقة أبيه بالبرنسيسة عائشة فهمي صاحبة السلطان والقصر المنيف علي شط النيل بالزمالك الذي استقبل أهم الأحداث التشكيلية عبر ثلاثين عاما ويعد حاليا ليكون متحفا لروائع الفن المصري الحديث بلافتة مجمع الفنون‏..‏ يجيبني بالغ الصبر بعدما أكدت له أن مصادري الجانبية قد أكدت زواج شكوكو بشوشو شهورا معدودات فقال‏:‏ لم تكن بينهما علاقة وإنما كانت تحب فنه فقط‏,‏ وتذهب لمسرح بديعة لمشاهدته علي المسرح‏,‏ وتملأ خمسة بناوير علي الأقل بالخدم والحشم ليغدو المسرح كومبليه‏,‏ وفي إحدي المرات اشترت جميع التذاكر وجلست وحدها في البنوار بعد أن أنزلت علي شباك التذاكر لافتة كامل العدد لكنه ليلتها لم يوافق علي الظهور لعدم وجود جمهور يتجاوب معه‏..‏ العلاقة الحقيقية كانت بينها وبين يوسف وهبي‏,‏ وعندما طلبت السيدة من والدي الحضور لقصرها في السابعة لأمر مهم سارع يبلغ ذلك ليوسف وهبي سائلا عما إذا كان بينهما خلاف ما ليسارع بإزالته‏,‏ فشكي له ما يغضبه منها‏,‏ فقال شكوكو إذن انتظرني خارج القصر في السابعة والنصف لأكون قد فاتحتها في أمرك فإما بعدها أناديك أو أروح معاك‏..‏
    وتعجبت البرنسيسة من هذا الذي أرادت التودد إليه فأخذ يقنعها بالعودة لصاحبه قائلا‏:‏ أنا ما أنفعكيش‏,‏ ويوسف من توبك وابن باشاوات وبيحبك‏..‏ ووافقت أخيرا‏,‏ وخرج وجاب يوسف من إيده وصالحهما علي بعض‏,‏ وكان دائما علي لسانه أنا ابن بلد لا أقبل بحال من الأحوال إن واحدة تصرف علي مليم واحد‏..‏
    وأتمادي في استغلال سعة صدر الابن لسؤاله عن مثول والده أمام النيابة مرتين فأعرف أن المرة الأولي كانت بعد عودته من إحياء ثلاث حفلات بمناسبة عيد استقلال الكويت مع عدد من كبار الفنانين من بينهم فريد الأطرش وعبدالحليم وكمال الطويل وكانت التهمة الموجهة لهم هي تهريب النقد‏,‏ حيث بلغت أجورهم في الخارج‏30‏ ألف جنيه‏..‏ واستمع عبدالرحيم نافع وكيل أول نيابة الشئون المالية وقتها إلي أقوال المتهم محمود شكوكو الذي قرر أنه استلم من كمال الطويل‏150‏ جنيها في القاهرة و‏250‏دينارا في الكويت ودار التحقيق كما يلي‏:‏

    س‏:‏ لماذا لم تحضر ما تبقي من النقود معك؟
    ج‏:‏ لم يفضل شيء‏.‏

    س‏:‏ لماذا؟
    ج‏:‏ لأني راجل مجدع لا أقبل أن يستضيفني أحد‏.‏ وشرفي أنا كنت نازل في الأوتيل علي حسابي بستة جنيهات في الليلة‏,‏ وكمان حاجة‏,‏ كان معايا مساعد علشان الأراجوز دفعت له من معايا والدنيا هناك غالية نار‏..‏ وأفرجت النيابة عن شكوكو بكفالة عشرة جنيهات‏..‏

    المرة الأخري مع النيابة كان فيها شكوكو عائدا من حفل في لبنان حيث التقي في الطائرة براكب معجب فكتب له علي ظهر صورته ورد عليك فل عليك إن كنت بتحبني هات اللي عليك ولسوء الحظ كان هذا المعجب مهرب مخدرات ما أن هبط علي أرض المطار حتي تم القبض عليه‏,‏ حيث عثروا علي الصورة الممهورة بالعبارة المدينة وكان المهرب يحمل خبيئة مخدرات اسمها ورد عليك ومن هنا اشتبه في العلاقة بين شكوكو وبينه مما استدعي اصطحاب شكوكو بشنطته للمحافظة‏,‏ حيث تمت تبرئته تبعا لأقوال المهرب والشهود ومن بعدها توقف شكوكو تماما عن كتابة أي إهداء لأي معجب أو حتي معجبة‏...‏
    شكوكو الفنان الساخر ابن البلد من كلامه قال‏:‏ معني شكوكو صوت صياح الديك اللي كنت أقلده وأنا صغير‏,‏ وهناك جزيرة في اليابان اسمها شكوكو ويمكن احنا من هناك‏..‏ الأرتيست زي النار يولع للآخر وبعدها ينطفي‏..‏ في أول المشوار غنيت مع زوبة الكلوباتية وعليه أستك ونفوسه احفظ مركزك‏..‏ المونولوجست النهاردة أصبح حكاييست إلي جوار لعبة تقليد المشاهير القديمة والنكات البايتة عن الصعايدة مما أوصل فن المونولوج للقاع وأصبح من الضروري إعادته للسطح للقيام بدوره الأساسي في نقد عيوب المجتمع‏..‏ الموال أقوله عشرين سنة لكن النكتة تقال مرة واحدة‏.‏ مافيش شق في مصر أم الدنيا معرفتوش مع الطبلة والرق والمزيكا النحاس‏.‏ لا يمكن للأرتيست يدير فرقة يبقي بيشتغل وقاعد يعد اللي قاعدين‏.‏ أنا إنسان رويح يعني مشاكلي أحلها بنفسي‏.‏ أنا ابن بلد مولود في الكحكيين وأهم حاجة في ابن البلد الذوق والأدب‏,‏ ولما يشرب شوية مية يشبع‏,‏ وشجاع وطيب وخجول لما يشوف واحدة ماشية مايرفعشي عينه فيها‏..‏ لما باطلع للجمهور ويسقف أحس إني باصغر وأعيط من الفرحة وأنا دمعتي قريبة وياما عيطت علي فراق إخواننا من الأرتيست‏.‏
    غالبية الأغاني تصلح مونولوجات يعني لما شريفة فاضل تقول إذا كنت من الحسينية أنا برضه يا واد بولاقية بقي بذمتكم ده مش مونولوج؟‏!,‏ وحليم في غنوة بلدي اللي بيقول فيها ونزمر لك كدهه ونطبل لك كدهه مونولوج طبعا‏!..‏ في سنة من السنين جاني منافسين للنحاس باشا وطلبوا مني أرشح نفسي في دايرته علي أساس أن شهرتي حتقلل من أصواته لكني رفضت تماما لأن العمل السياسي ليس مهنتي والفنان اللي عايزه لابد يتفرغ له‏.‏ زواج الأرتيست صعب لأن له معجبين وتليفونات‏,‏ واحدة تكلم مراتي لما تشيل السماعة تبقي تبويزة وقلة مزاج وطلاق‏..‏ وأثناء زيارتي للعراق فوجئت بالجمهور هناك يطالبني بمونولوج أهلا بالزعيم الهمشري لأن كلماته كانت تنطبق علي زعيمهم اللي كرهه العراقيون عبدالكريم قاسم وكنت نسيت المونولوج لكن العراقيين كانوا يحتفظون لي بنسخة منه وكانت كلماته بتقول‏:‏ أهلا وسهلا بالزعيم الهمشري‏..‏ الأسمري العبقري المفتري‏..‏ يا خير من فينا حكم‏..‏ وبك المواعظ والحكم‏..‏ ولكم شنقت‏..‏ وكم‏..‏ وكم‏..‏ لخبطت في كل القيم‏!!‏
    شكوكو الرائد ابن الدرب الأحمر ودرب المحروق أول من غني الفرانكو آراب قبل داليدا وسمير الاسكندراني أشوف وشك تومورو يا دهب والباقي كورو‏,‏ وأول من ردد مفهوم صنع في مصر‏,‏ وإن قالها بالإنجليزية حبيبي شغل كايرو مافيش في القلب غيره‏,‏ من ولد في أول مايو عام‏1912‏ ليحتفل بعيد ميلاده مع عيد العمال كواحد منهم نجار ابن نجار والجد نجار وكانت حجرة نوم جهازه من صنع يديه وظلت أدوات النجارة بالشاكوش والكماشة والمنشار بجواره ليستأنس بهوايته في أوقات فراغه‏..‏ من وجه طعنات نافذة للأغنية العاطفية المتجمدة بخفة ظله وأدائه المتميز في مونولوج الأباريق الأباريق الذي قال فيه‏:‏

    والله غلبت أحنن فيك
    وادعي وأقول الله يهديك
    يعني يا سي المحبوب يرضيك
    أشكي تقول الهئ المئ
    الأباريق الأباريق
    قلبك قاسي لم بيرق
    وهذا المونولوج وأمثاله كانت مهمته شك بالونة الزيف العاطفي الذي يختفي بداخله الأغنية العاطفية‏,‏ والذي بفضله قامت شهرة شكوكو وانتشر اسمه وفنه وكلماته وأصبح هناك إلي جانب تمثاله قماش لشكوكو‏,‏ وكبريت لشكوكو‏,‏ ومحطة لشكوكو ولازمات كلام شكوكو يا خبر أبيض‏,‏ حاجة أنتكة‏,‏ يا خرابي الحب بهدلة‏.‏
    ويعجب بأدائه مع الأراجوز وزير ثقافة رومانيا فيستضيفه ليدرس هناك فن عرائس المارونيت ليعود محققا حلمه عام‏1963‏ في مسرح شكوكو للعرائس الذي قدم الكونت دي مونت شكوكو وشكوكو في كوكب البطيخ والسندباد البلدي حيث قام بتدريب كوكبة من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية منهم يوسف شعبان وصلاح السقا‏,‏ وحمدي أحمد وشقيقه سمير أحمد‏,‏ وسيد راضي‏..‏ وكان شكوكو يقوم بنفسه بنحت العرائس ودهانها وتجهيزها للعرض‏.‏
    شكوكو أول من غني السح دح امبو قبل عدوية‏,‏ كانت له مواقف وطنية رائعة منها في نكسة‏1967‏ عندما استأجر سيارة لوري حولها إلي مسرح علي عجلات يزور جميع المحافظات للتبرع للمجهود الحربي‏..‏ هذا المضحك العظيم كان ما أن يدخل داره حتي يكون قد اكتفي بالضحك خارجه‏,‏ فتعود القسمات لجديتها‏,‏ والصوت للمعتقل‏,‏ والجسد المتعب لفراش الرقاد‏..‏ آخر أفلامه شلة الأنس مع نور الشريف إخراج يحيي العلمي‏,‏ وآخر مسرحية زقاق المدق مع صلاح السعدني ومعالي زايد من إخراج حسن عبدالسلام وألحان بليغ حمدي‏,‏ والتي اشترك فيها الفنان فاروق فلوكس الذي روي لي أنه عندما لم يستشعر شكوكو فعالية لظهوره علي المسرح منذ البداية في دور سنقر اقترح أن يدخل علي دوره أغنية خاصة سهر علي حفظها طوال الليل ليقدمها في اليوم التالي فعالة مؤثرة مدوية‏,‏ ومن خشبة العرض ينتقل شكوكو للحجرة رقم‏601‏ بمستشفي القاهرة التخصصي ليقضي عشرين يوما فقط قبل الرحيل في‏21‏ فبراير‏1985‏ لتفني عرائسه في صناديقها وتطالب الضرائب أسرته بمبلغ‏120‏ ألف جنيه وهو الذي لم يترك إرثا لهم سوي ثمانين ألفا لا غير‏!!‏
    و‏..‏ بذمتكم‏..‏ شكوكو ابن البلد الذي قرأ الودع وقال له حادرجة بادرجة من كل عين زرجة‏..‏ ألم يقرأ مستقبلنا في مصر بعد نصف قرن حين ردد مواله العبثي الشهير الذي قال فيه‏:‏

    كان فيه تلاتة من حارة الطنبوكشي
    اتنين عمي وواحد مابيشوفشي
    قام اللي مابيشوفشي لقي تلاتة ريال
    اتنين براني وواحد مابيروحشي
    قام اللي ما بيروحشي اشتري بيهم تلات وزات
    اتنين طاروا وواحدة ماقعدتشي
    قام اللي ما قعدتشي حطوها في تلات طواجن
    اتنين اتكسروا وواحد مافيهشي
    قام اللي ما فيهشي دخلوه الفرن
    اتنين اتحرقوا وواحد ماطلعشي
    قام اللي ماطلعشي قعدوا ياكلوا فيه
    اتنين غضبوا وواحد ما أكلشي
    قام اللي ما أكلشي راح يغسل ايديه
    إيد زفرة والتانية مانشفتشي
    لكن حيغسل إيه من إيه
    إن كان كل اللي اتقال ما حصلشي


    سناء البيسي

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 23 فبراير 2017 - 6:21